الأربعاء، 25 يوليو 2018

الاسلام وتنظيم الاسرة

                                                          الاسلام وتنظيم الاسرة
كان الاسلام أكثر حرصا على رعاية الاسرة وحمايتها بتشريعات وقوانين أكدت على التكوين السليم والتأسيس القويم والحماية من 
الافعال التي تؤثر على مسار الاسرة فقد أرسى دعائم المحبة والتفاهم والطاعة والتعامل مابين الأزواج والابناء بأسلوب سليم يعتمد الخلق والطباع الحميدة
فمجموعة المفاهيم التي ركز عليها الاسلام وحض بها الاسر كان لها الأثر البالغ في تنشئة المجتمعات السلمية والقوية فالأسرة القوية والسليمة تخلق قاعدة البناء القويم وهذا مايتم التركيز عليه حالياً بأهداف وأسس وطرق علاجية لخلق مفهوم التنظيم للاسر الذي يعتبر من الدعائم الاساسية للتكوين ولاتعارض مابين ماركزت عليه الشريعة الإسلامية في مجال تنظيم النسل ومابين الحاجة إلى خلق مفهوم الصحة الانجابية وتنظيم المجتمعات السكانية للوصول إلى حالة ربط مابين هذه المجتمعات المنظمة ومايتطلبه الواقع الصحي والاجتماعي والتنموي وهذا ماتم التركيز عليه من خلال الندوة التي شارك فيها سماحة الدكتور محمود عكام مفتي حلب بمحاضرة حملت عنوان ( الاسلام وتنظيم الأسرة ).‏
علينا أن نسلم بأن الدعوة إلى تنظيم الأسرة لايجوز ان تكون دعوة إلى محاربة الزواج او محاربة الذرية بحد ذاتها .‏
وعلينا التسليم ايضا بأن حب الذرية أمر فطري لن تقهره عقبات مصطنعة موضوعة في طريقه فوجود الذرية بين البشر امر لابد منه , لكن القرآن الكريم يوجهنا إلى أن الذرية ينبغي لها أن تكون طيبة صالحة نافعة منتفعة .‏
فهذا زكريا عليه السلام تقدم به السن وامرأته عاقر فيدعو الله أن يمن عليه بذرية طيبة صالحة ( هنالك دعا زكريا ربه قال: رب هب لي من لدنك ذرية طيبة إنك سميع الدعاء ) آل عمران 38 .‏
وهؤلاء هم عباد الرحمن وهم يدعون ربهم:‏
ربنا هب لنا من أزواجنا وذرياتنا قرة أعين واجعلنا للمتقين إماما) الفرقان 74 .‏
وقرة الأعين معناها هدوؤها واطمئنانها وهو كناية عن سرورها وسعادتها وإنما تكون الذرية سبباً للسعادة والمسرة إذا كانت سليمة قوية سعيدة نافعة.‏
هناك مفهوم خاطئ رسخ في أذهان الكثيرين واعتقدوا به وهو ظنهم ان كثرة الذرية وحدها علامة على الرضى الإلهي والخير والبركة .‏
وليس على ذلك دليل عقلي أو نقلي لان الكثرة العددية تقع للصالحين والطالحين وللمؤمنين والكافرين , بل إن المؤمنين قلة بالنسبة إلى الكافرين ولو تتبعنا مادة ( الكثرة ) ومادة ( القلة ) في القرآن الكريم لوجدناه لايمدح الكثرة لمجرد أنها كثرة ولايذم القلة لمجرد أنها قلة , على العكس يندد بالكثرة الطالحة وينوه بالقلة الصالحة فهو يقول : " كم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله " البقرة 279.‏
ويقول :" هل يستوي الخبيث والطيب ولو أعجبتك كثرة الخبيث " المائدة 100 .‏
وترى رسول الله صلى الله عليه وسلم يندد بالكثرة الضعيفة" يوشك ان تتداعى عليكم الأمم كما تداعى الأكلة إلى قصعتها, قالوا : أومن قلة نحن يومئذ يارسول الله ؟ قال : بل أنتم حينئذ كثير ولكنكم غثاء كغثاء السيل ولينزعن الله من صدور أعدائكم المهابة منكم وليقذفن الله في قلوبكم الوهن".‏
قالوا: وما الوهن يارسول الله؟‏
قال : ( حب الدنيا وكراهية الموت ) أخرجه أبو داوود‏
إذا كان الزواج هو مفتاح الذرية فإن الإسلام يشترط في الزواج أن يكون الرجل أهلاً له قادراً على تبعاته وإلا فقد طالبه الاسلام بالانتظار حتى يتوفر له المال والاقتدار.‏
يقول الله تعالى : وليستعفف الذين لايجدون نكاحاً حتى يغنيهم الله من فضله) النور 33 .‏
وعبارة شيخ المفسرين ( ابن جرير الطبري ) هي بنصها:‏
ويقول تعالى ذكره : وليستعفف الذين لايجدون ماينكحون به النساء عن اتيان ماحرم الله عليهم من الفواحش حتى يغنيهم الله من سعة فضله ويوسع عليهم من رزقه.‏
وهذا هو رسول الله صلى الله عليه وسلم يؤكد معنى الآية الكريمة فيقول : يامعشر الشباب من استطاع منكم الباءة – أي القدرة على الزواج وتبعاته - فليتزوج فإنه اغض للبصر وأحصن للفرج ومن لم يستطع فعليه بالصوم فإنه له وجاء ) أي علاج ووقاية أخرجه مسلم‏
ويقول عمر رضي الله عنه : " لايمنع من الزواج إلا عجز أو فجور "‏
وقد يمكننا أن نتساءل: ألا نستطيع ان نقيس هنا فنقول : إذا كان قد حسن شرعا التوجيه إلى ترك الزواج حتى تحقق القدرة على تبعاته فلم لايحسن التوجيه في أمر الذرية قلة أو كثرة حتى تكون في نطاق القدرة والقوة .‏
تعريف تنظيم الأسرة:‏
إنه ايجاد فترات متباعدة بين مرات الحمل بطريقة مشروعة غير ضارة لداع يدعو إلى ذلك.‏
والحديث عن هذا الموضوع قديم غير حديث عرفه صدر الاسلام بصورة العزل وتحدث عنه طائفة من الفقهاء كالغزالي وابن القيم وقد ذكروا طائفة من الأسباب التي تدفع الناس لممارسة هذا الموضوع ومنها :‏
1- أن يكون هناك مرض من الأمراض المعدية عند الزوجين أو عند أحدهما .‏
2- أن يكون عند المرأة مع ضعفها استعداد قوي ظاهر للحمل عقب انتهائها من آثار حملها السابق.‏
3- الخوف على صحة الزوجة وسلامتها بسبب الحمل المتتابع‏
4- الضعف الاقتصادي عند الزوج‏
والإمام الغزالي يعبر عن هذا السبب في الاحياء ( الخوف من كثرة الحرج بسبب كثرة الأولاد والاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب ودخول مداخل السوء وهذا أيضاً غير منهي عنه,فإن قلة الحرج معينة على الدين) كذلك تكلم عن طريقة منع الحمل المعروفة في وقتهم وهي العزل والعزل هو : ( منع التقاء المادة التناسلية من الزوج بالمادة التناسلية من زوجته بأن يقذفها خارج الرحم )‏
فالمقصود الأساسي من هذا العزل هو البعد عن التقليح وقد قدر الفقهاء بأن إفساد المادة التناسلية قبل التقليح لايكون اعتداء على جنين بحال من الأحوال.‏
الأحاديث المبينة لحكم جواز العزل وإباحته‏
وقد وردت أحاديث وأخبار صريحة بأن العزل كان موجوداً على عهد النبي صلى الله عليه وسلم وأنه جائز منها مايلي :‏
1- في الحديث المتفق عليه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : (كنا نعزل على عهد رسول الله والقرآن ينزل ) أي لو كان هذا حراماً لنزلت في القرآن آية تحرمه , فلما لم يحدث دل على جوازه.‏
2- وجاء في سنن أبي داود ان رسول الله صلى الله عليه وسلم قال :( لايعزل عن الحرة إلا بإذنها ) وهذا معناه أن العزل عن الزوجة الحرة جائز إذا وافقت عليه.‏
3- روي عن رفاعة بن رافع رضي الله عنه أنه جلس إلى عمر رضي الله عنه جماعة من الصحابة فيهم علي بن أبي طالب والزبير بن العوام وسعد ابن أبي وقاص وتذاكروا موضوع العزل فقال عنه الامام علي كرم الله وجهه : لابأس به, فقال له رجل : إنهم يزعمون أنها الموؤدة الصغرى , فرد عليه الإمام قائلاً: لاتكون موؤدة حتى تمر على التارات السبع : تكون سلالة من طين ثم تكون نطفة ثم تكون علقة ثم تكون مضغة ثم يكون عظاماً ثم تكون لحماً ثم تكون خلقاً آخر.‏
وسمع عمر رضي الله عنه ذلك فقال للإمام:( صدقت , أطال الله بقاءك ).‏
4- وفي الحديث الذي أخرجه مسلم ان جابر بن عبد الله روى أن رجلاً جاء إلى النبي صلى الله عليه وسلم يسأله عن عزله عن جارية لايريد لها أن تحمل فقال له النبي : اعزل عنها إن شئت, فإنه سيأتيها ماقدر لها.‏
5- ويروي الإمام مسلم في صحيحه عن جابر بن عبد الله رضي الله عنه قال : كنا نعزل على عهد رسول الله فبلغ ذلك رسول الله فلم ينهنا , ولو كان شيئاً ينهى عنه لنهانا عنه القرآن .‏
أقوال الفقهاء في الموضوع:‏
ذكر الامام الشوكاني في كتابه ( نيل الأوطار ) أنه لاخلاف بين العلماء في جواز العزل بشرط أن توافق الزوجة الحرة على ذلك لانها شريكة في المعاشرة الزوجية .‏
وأورد الامام ابن القيم في كتابه ( زاد المعاد) الأحاديث التي جاء فيها العزل الجائز ثم قال مانصه: فهذه الأحاديث صريحة في جواز العزل , ثم ذكر أن القول بجوازه وإباحته منسوب إلى عشرة من الصحابة هم : علي وسعد وأبو أيوب وزيد بن ثابت و جابر وابن عباس والحسن بن علي وخباب وأبو سعيد الخدري وابن مسعود.‏
وقد قال الشافعي رحمه الله: ونحن نروي عن عدد من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أنهم رخصوا في ذلك ولم يروا به بأساً‏
ويؤكد الامام الغزالي أن العزل مباح وأنه لانص يصرح بتحريمه ولانص ولا أصل يقاس عليه تحريمه بل هنا أصل يقاس عليه إباحة العزل وهو ترك الزواج أصلاً.‏
وقد صرح الغزالي بأن الدوافع المبيحة للعزل هي :( الخوف من كثرة الأولاد - الاحتراز من الحاجة إلى التعب في الكسب- دخول مداخل السوء- وهذا أيضاً غير منهي عنه فإن قلة الحرج معينة على الدين).‏
وفند الغزالي حجج القائلين بتحريم العزل.‏
ولقد عرف الناس مع تطور الأيام طرقا أخرى غير العزل لمنع التقاء المادتين التناسليتين ومادام الهدف من وراء هذه الطرق واحداً , فلا مانع اطلاقا من قياس هذه الطرق على طريقة العزل التي كانت معروفة عند القدماء.‏
ذكر ابن عابدين والكمال بن الهمام أنه يجوز للمرأة سد فم رحمها كما تفعل النساء مخالفا لما بحثه في ( البحر) من أنه ينبغي أن يكون حراماً إن كان بغير إذن الزوج قياساً على عزله بغير إذنها.‏
وقال الفقيه الشافعي ( الزركشي): هذا كله في استعمال الدواء بعد الانزال أما قبله فلا منع منه.‏
ويقول البجيرمي من الشافعية : وأما مايبطئ الحبل مدة ولايقطعه من أصله فلا يحرم كما هو الظاهر بل إن كان لعذر كتربية ولد لم يكره أيضاً.‏
وجاء في مطالب أولى النهي: ويجوز شرب دواء مباح لقطع حيض مع أمن الضرر نصاً , كالعزل ولو بلا إذن الزوج على الصحيح من المذهب.‏
معاصرون يفتون‏
ونجد علماء الخلف قد تحدثوا عن موضوع تنظيم الأسرة بالعزل أو بأية وسلية أخرى شريطة عدم الضرر فمثلاً:‏
1- في سنة1953 أصدرت لجنة الفتوى بالازهر الشريف فتوى جاء فيها:‏
استعمال دواء لمنع الحمل مؤقتاُ لايحرم على رأي الشافعية وبه تفتي اللجنة لما فيه من التيسير على الناس ودفع الحرج ولاسيما إذا خيف من كثرة الحمل أو ضعف المرأة من الحمل المتتابع بدون أن يكون بين الحمل والحمل فترة تستريح فيها المرأة وتسترد صحتها والله تعالى يقول :( يريد الله بكم اليسر ولايريد بكم العسر) البقرة 185 .‏
وقال : ( وماجعل عليكم في الدين من حرج ) الحج 78‏
وأما استعمال دواء لمنع الحمل أبداً فهو محرم‏
2- في سنة 1959 كتب المرحوم العلامة العظيم محمود شلتوت يقول :( أما تحديد النسل بمعنى تنظيمه بالنسبة للسيدات اللواتي يسرع إليهن الحمل وبالنسبة لذوي الامراض المتنقلة وبالنسبة للأفراد القلائل الذين تضعف اعصابهم عن مواجهة المسؤوليات الكثيرة ولايجدون من حكوماتهم أو من الموسرين من أمتهم مايقويهم على احتمال هذه المسؤوليات.‏
إن تنظيم النسل بشيء من هذا وهو تنظيم فردي لايتعدى مجاله شأن علاجي تدفع به أضرار محققة ويكون به النسل القوي الصالح .. والتنظيم بهذا المعنى لايجافي الطبيعة ولا يأباه الوعي القومي ولاتمنعه الشريعة إن لم تكن تطلبه وتحث عليه.‏
3- وإلى الجواز ذهب كثير من العلماء المعاصرين الآخرين كالشرياصي والبوطي والزحيلي بشروط متفق عليها بين جميع المجوزين وقد لخصها الدكتور عبد الله الطريقي في كتابه تنظيم النسل وموقف الشريعة منه بقوله:( ولهذا فإن وسائل تنظيم النسل السابقة عدا التعقيم الكامل فإنني أرجح جواز استخدامها مقيدة بالشروط التالية :‏
رضا الزوجين‏
وعدم استتباع ذلك بضرر لهما أو لأحدهما‏
مراعاة حق المجتمع في المولود‏

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق

السمعيات وموضوعها

( السمعيات وموضوعاتها ) 1 . مفهوم السمعيات  :    - قال العلامة السيد محمد بن محمد الحسينى الزبيدى في تعريف            السمعيات : ما...